اسماعيل بن محمد القونوي

171

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

مريم لما عرفت من أن ذكر خلقه بلا أب لانتزاع وجه الشبه « 1 » من ذلك . قوله : ( إفحاما للخصم ) وهو النصارى حيث أثبتوا له الألوهية ( وقطعا لمواد الشبه ) لأن آدم عليه السّلام حاله أغرب من حاله فإذا نظر العاقل إلى حالهما زالت الشبهة المذكورة بالمرة . قوله : ( والمعنى أنه خلق قالبه ) أي جسده ( من التراب ) . قوله : ( أي انشاه بشرا ) بنفخ الروح فيه وفيه إشارة إلى أن خلق الإنسان كائن مرة بعد أخرى على ما يدل عليه ( كقوله تعالى ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] ) كما أشار إليه بقوله كقوله تعالى لكن إطلاق الإنسان بعد نفخ الروح وكذا إطلاق البشر « 2 » وأما إطلاقه على ما قبله من الأطوار فمجاز باعتبار ما يؤول إليه ونبه عليه بقوله أي أنشأناه بشرا كقوله ثم قوله : أَنْشَأْناهُ [ المؤمنون : 14 ] يريد به أن قوله ( كن ) كناية أو مجاز عن الإنشاء والإحياء إذ ليس المراد به حقيقة أمر كما حققه في سورة البقرة فالتراخي بين خلق القالب والجسد وبين الإحياء فلا إشكال بكلمة ثم . قوله ( أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه ويجوز أن يكون ثم للتراخي في الخبر ) أي المراد بالخلق معناه اللغوي فح أمر التراخي واضح كون قوله : كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 47 ] كناية عن الخلق دفعة بلا مادة وسبب في صورة التعبير بالإبداع وأما التكوين فمستعمل في صورة تغيير في زمان غالبا كما صرح به في سورة البقرة ولا ريب أن كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] في شأن آدم معبر « 3 » بالتكوين وأما سرعة الإيجاد فموكول إلى الإرادة فإذا تعلقت به الإرادة حصل المراد بلا مهلة . قوله : فهو أنه خلق بغير أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب ووجد آدم بغير أب وأم قلت هو مثلية في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأجسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغرب منه وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم لم تعبدون عيسى قالوا لأنه لا أب له قال فآدم أولى لأنه لا أبوين له قالوا كان يحيي الموتى قال فحرقيل أولى لأن عيسى أحيى أربعة أنفر وأحيى حرقيل ثمانية آلاف فقالوا كان يبرئ الأكمه والأبرص قال فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما . قوله : أي أنشأه بشرا فسر قول كن بالإنشاء إشارة إلى أنه مجاز مستعار للايجاد وتمثيل لسرعة نفاذ قدرته في المقدور عند تعلقها به بالأمر المطاع الذي يمتثل المأمور بأمره بلا توقف ولذا رتب عليه قوله : كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] بالفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة .

--> ( 1 ) وهو الغرابة والخروج عن العادة . ( 2 ) فإنه قيل الأحياء جماد لا بشر . ( 3 ) وبهذا البيان ينحل ما أورده الفاضل العصام .